أحمد زكي صفوت
204
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ » ، وتنادى أخرى : « هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ ؟ » ، وتستغيث أخرى : « يا لَيْتَنا نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ » ، وتقول أخرى : « رَبِّ ارْجِعُونِ » ، فرحم اللّه من نظر لنفسه ، قبل غروب شمسه وقدّم لغده من أمسه ، وعلم أن الحياة تجرّ إلى الموت ، والغفلة تقود إلى الفوت ، والصحة مركب الألم ، والشبيبة سفينة تقطع إلى ساحل الهرم » . وإن شاء قال بعد الخطبة : « إخواني ، ما هذا التوانى ؟ والكلف بالوجود الفاني ، عن الدائم الباقي ، والدهر يقطع الأماني ، وهادم اللذات قد شرع في نقض المباني ، ألا معتبر في عالم هذه المعاني ، ألا مرتحل عن مغابن هذه المغانى « 1 » ؟ ألا أذن تصغى إلىّ سميعة * أحدّثها بالصّدق ما صنع الموت مددت لكم صوتي فأوّاه حسرة * على ما بدا منكم فلم يسمع الصوت هو القدر الآتي على كل أمّة * فتوبوا سراعا قبل أن يقع الفوت يا كلفا بما لا يدوم ، يا مفتونا بغرور الوجود المعدوم ، يا صريع جدار الأجل المهدوم ، يا مشتغلا ببنيان الطّرق قد ظهر المناخ وقرب القدوم ، يا غريقا في بحار الأمل ما عساك تعوم ! يا معلّل الطعام والشراب ، ولمع السّراب « 2 » ، لا بدّ أن تهجر المشروب وتترك المطعوم ، دخل سارق الأجل بيت عمرك فسلب النشاط وأنت تنظر ، وطوى البساط وأنت تكرب « 3 » ، واقتلع جواهر الجوارح ، وقد وقع بك النّهب ، ولم يبق إلا أن يجعل الوسادة على أنفك ويقعد : لو خفّف الوجد عنى * دعوت طالب ثاري « كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها » ، كيف التّراخى والفوت مع الأنفاس ينتظر ،
--> ( 1 ) المغانى : جمع مغنى وهو المنزل . ( 2 ) السراب : ما يرى وسط النهار كأنه ماء . ( 3 ) كربه الغم كنصر : اشتد عليه .